Customer Experience · August 10, 2026
Reducing friction in public-sector journeys
يقف مواطن أمام موظف الاستقبال في مركز خدمة حكومي، ومعه ملف ورقي يحتوي على المستند نفسه الذي رفعه إلكترونيًا قبل أسبوع عبر التطبيق الرسمي. يُطلب منه تعبئة النموذج ذاته مرة أخرى، لأن "النظام لا يتكلم مع النظام الآخر". هذا ليس عطلًا تقنيًا عابرًا؛ إنه النمط السائد في أغلب رحلات الخدمة الحكومية، وهو ما يفسر لماذا تظل ثقة المواطن بالمؤسسات العامة هشة رغم كل استثمارات التحول الرقمي.
الاحتكاك في الخدمة الحكومية هو كل جهد أو خطوة أو انتظار لا يخدم غرضًا مشروعًا في إثبات الهوية أو الامتثال القانوني، بل ينتج عن تصميم مؤسسي مجزأ. تقليله لا يعني تبسيط الواجهات فحسب، بل إعادة هندسة الرحلة كاملة بمنطق اقتصادي وسلوكي: كل خطوة زائدة تُبقيها الحكومة في رحلة المواطن هي ضريبة ثقة يدفعها المواطن نيابة عن كسل مؤسسي لم يواجَه بعد.
ما الذي نعنيه فعليًا بـ"الاحتكاك" في رحلة المواطن؟
الاحتكاك، بالمعنى الذي يستخدمه مصممو الخدمات، هو أي عائق بين نية المواطن (تجديد رخصة، تسجيل مولود، الحصول على تصريح) وإنجاز تلك النية فعليًا. بعض هذا الاحتكاك ضروري: التحقق من الهوية، والتوقيع القانوني، ومراجعة الأهلية. لكن جزءًا كبيرًا منه، كما يوضح الباحث كاس صانستين في ورقته البحثية "Sludge and Ordeals" المنشورة عام 2019، هو ما يسميه "sludge" أو الاحتكاك الطفيلي: إجراءات مصممة أو مهملة تُبقي الناس عالقين دون أن تخدم أي غرض حقيقي في الحماية أو التحقق. صانستين يفرّق بوضوح بين الاحتكاك الذي يحمي (كإجراءات مكافحة الاحتيال) والاحتكاك الذي يستنزف فقط، مثل طلب حضور شخصي لختم ورقة كان يمكن التحقق منها رقميًا.
الفارق هذا جوهري لأي فريق يعمل على إعادة تصميم الخدمة العامة: قبل حذف أي خطوة، يجب أولًا تصنيفها بدقة، لا افتراض أنها زائدة لمجرد أنها مزعجة.
لماذا يتحمّل المواطن احتكاكًا لا يقبله أي عميل في القطاع الخاص؟
المواطن ليس عميلًا يمكنه المغادرة إلى منافس حين تسوء التجربة. هذا الغياب لخيار الخروج (exit option) هو ما يجعل قياس الأداء الحكومي بمنطق ولاء العلامة التجارية قياسًا مضللًا. حين لا يستطيع المواطن "التصويت بقدميه"، تتحول التجربة السيئة إلى شعور بالعجز لا إلى تبديل مزود، وهذا الشعور يتراكم كرصيد سلبي من الثقة المؤسسية، لا كخسارة إيراد يمكن قياسها في تقرير ربع سنوي.
هذا هو بالضبط سبب أهمية معالجة الاحتكاك في قطاع الخدمات العامة بجدية مختلفة عن أي قطاع آخر: النتيجة هنا ليست حصة سوقية، بل شرعية مؤسسية. حكومة يشعر مواطنوها بأن كل تعامل معها مرهق تخسر رأس مال اجتماعي لا يُستعاد بحملة تسويقية، بل بسنوات من التجارب المتراكمة الأفضل.
كيف تُكتشف نقاط الاحتكاك قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة؟
الاحتكاك الحقيقي نادرًا ما يظهر في تقارير الأداء الداخلية، لأن هذه التقارير تقيس ما يراه الموظف لا ما يعيشه المواطن. الأداة الأدق هنا هي رسم مخطط الخدمة (service blueprint): توثيق كل خطوة من نية المواطن الأولى حتى إغلاق المعاملة، بما في ذلك ما يحدث خلف الكواليس من تنسيق بين الجهات. عند تطبيق هذا التمرين بدقة، تكتشف المؤسسات غالبًا أن نصف مدة إنجاز المعاملة تُستهلك في انتظار داخلي لا علاقة له بالمواطن إطلاقًا.
إلى جانب المخطط، هناك أداتان عمليتان لا غنى عنهما:
- التسوق الغامض (mystery shopping): إرسال أشخاص حقيقيين لتجربة الخدمة كما يفعل أي مواطن عادي، لا كما يفترض فريق التصميم أنها تسير. هذا ما يكشف نقاط الاحتكاك التي لا تظهر في أي وثيقة إجرائية، ويمكن تنظيمه عبر برامج تسوق غامض متخصصة.
- صوت المواطن (Voice of Customer): جمع الشكاوى والملاحظات وتحليلها بشكل منهجي بدل تركها متناثرة بين مراكز الاتصال ووسائل التواصل، عبر استراتيجية موحّدة لصوت العميل تربط كل ملاحظة بخطوة محددة في الرحلة.
- مقياس جهد العميل (CES): بعكس مؤشر رضا العملاء العام، يسأل CES سؤالًا واحدًا محددًا: "كم كان الجهد المطلوب لإنجاز هذه المعاملة؟" وهو المؤشر الأكثر ارتباطًا مباشرة بالاحتكاك التشغيلي، كما نوضح في مقارنة سابقة بين مؤشرات NPS وCSAT وCES ومتى يُستخدم كل منها.
ما الفرق العملي بين الاحتكاك الضروري والاحتكاك الطفيلي؟
هذا هو الفخ الذي يقع فيه أغلب مشاريع التحول الرقمي الحكومي: حذف الاحتكاك بشكل عشوائي دون تمييز، فتُزال طبقات حماية ضرورية أو، على العكس، تُبقى إجراءات ثقيلة بحجة "الأمان" بينما هي في الحقيقة كسل مؤسسي متوارث.
القاعدة العملية بسيطة: الاحتكاك ضروري إذا كان يحمي حقًا (منع انتحال الهوية، التأكد من الأهلية القانونية، حماية بيانات حساسة). أما الاحتكاك الطفيلي فيتكرر في ثلاثة أشكال شائعة:
- طلب المعلومة نفسها أكثر من مرة من جهات حكومية مختلفة رغم أن الدولة تمتلكها بالفعل.
- اشتراط الحضور الشخصي لإجراء كان يمكن إتمامه بتحقق رقمي موثوق.
- تصميم نماذج ورسائل غامضة تجبر المواطن على الاتصال أو الحضور فقط ليفهم ما هو مطلوب منه.
النموذج الأوضح لمعالجة النوع الأول هو "مبدأ المرة الواحدة" (once-only principle) الذي تبنّته إستونيا ضمن بنيتها الرقمية X-Road: بمجرد أن تقدّم بيانًا لجهة حكومية واحدة، لا يُطلب منك تكراره لأي جهة أخرى، لأن الأنظمة تتبادل البيانات فيما بينها بموافقتك بدل أن تنقلها أنت يدويًا. تقدّر الحكومة الإستونية أن التوقيع الرقمي وحده يوفر ما يعادل نحو 2% من ناتجها المحلي الإجمالي سنويًا، بحسب ما ورد على منصة e-Estonia الرسمية. هذا رقم من دولة صغيرة، لكنه يوضح حجم الكلفة الاقتصادية الحقيقية للاحتكاك المتراكم، لا مجرد إزعاجه الشعوري.
على المستوى الدولي الأوسع، رصدت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في تقريرها "Digital Government Index" لعام 2023 تفاوتًا كبيرًا بين الدول في مدى تبنّي مبدأ "المرة الواحدة" وتصميم الخدمات حول احتياج المواطن بدل هيكل الوزارات، وهو ما نستعرضه بمزيد من التفصيل في مقال سابق عن تصميم خدمات حكومية رقمية يثق بها المواطن، بحسب ما نُشر على موقع OECD.
ما هي الخطوات العملية لإزالة الاحتكاك من رحلة خدمة حكومية؟
تقليل الاحتكاك ليس ورشة تصميم واحدة، بل منهجية تُطبَّق على كل خدمة على حدة. التسلسل التالي هو ما يثبت جدواه في الممارسة الفعلية:
- ارسم الرحلة كما تحدث فعلًا، لا كما تفترض الأدلة الإجرائية أنها تحدث. استخدم مخطط خدمة كامل يشمل ما يجري خلف الكواليس بين الأقسام، عبر منهجية رسم رحلات تجربة العميل.
- صنّف كل خطوة احتكاك إلى "ضرورية" أو "طفيلية" باستخدام معيار الحماية الفعلية لا العادة الإدارية.
- طبّق مبدأ المرة الواحدة أينما أمكن عبر ربط الأنظمة الداخلية بدل مطالبة المواطن بنقل البيانات بنفسه.
- أعد تصميم النماذج والرسائل بلغة واضحة، مع إعادة هندسة العمليات الداخلية التي تنتج تلك النماذج عبر تصميم عمليات مبسّط يقلّص الخطوات قبل أن يقلّص الكلمات.
- اختبر التغيير على عيّنة حقيقية من المواطنين قبل الإطلاق الكامل، وليس على فريق داخلي معتاد على النظام القديم.
- قِس معدل الإتمام ومعدل التسرب في كل خطوة، لأن هذين الرقمين يكشفان الاحتكاك المتبقي بدقة أكبر من أي استبيان رضا عام.
الخطوة الثانية هي الأكثر إغفالًا في المشاريع الحكومية، لأن تصنيف الاحتكاك يتطلب مواجهة صريحة بين فريق التصميم والإدارات القانونية والأمنية، وهي مواجهة يفضّل كثيرون تجنبها بترك كل شيء كما هو "للأمان".
كيف يفسّر الاقتصاد السلوكي مقاومة المواطن للإجراءات المعقّدة؟
هناك تفسيران سلوكيان يوضحان لماذا يشعر المواطن بالاحتكاك بشكل أعمق مما تقيسه أي وثيقة إجرائية.
الأول هو تأثير التدرّج نحو الهدف (goal-gradient effect): كلما اقترب الشخص من إنجاز مهمة، زاد حماسه لإكمالها، وزاد إحباطه إذا وُضعت عقبة إضافية في اللحظة الأخيرة. طلب مستند جديد في الخطوة الأخيرة من معاملة استغرقت عشرين دقيقة لا يُقاس بنفس معيار طلب المستند نفسه في البداية؛ الكلفة النفسية للعائق تتضاعف كلما اقتربت من خط النهاية. هذا يجعل ترتيب الخطوات، لا عددها فقط، متغيرًا حاسمًا في التصميم، وهو أحد الأبعاد التي نغطيها ضمن تطبيقات الاقتصاد السلوكي على تصميم الخدمة.
الثاني هو قاعدة الذروة والنهاية (peak-end rule) التي أثبتها دانييل كانمان وزملاؤه في دراستهم "When More Pain Is Preferred to Less: Adding a Better End" المنشورة عام 1993 في مجلة Psychological Science: الناس يتذكرون التجربة بناءً على أشد لحظاتها وآخر لحظة فيها، لا بمتوسط التجربة كاملة. وهذا يعني أن رسالة تأكيد المعاملة النهائية، ولو جاءت بعد رحلة مرهقة، قادرة على تعديل الانطباع العام إن صُممت بعناية ووضوح وامتنان حقيقي، لا كإشعار آلي بارد.
كيف تُقاس نتائج تقليل الاحتكاك على أرض الواقع؟
القياس هنا يجب أن يتجاوز استبيان الرضا العام إلى مؤشرات تشغيلية مباشرة:
- معدل الإتمام (completion rate): نسبة من بدأوا المعاملة وأنهوها فعليًا دون تسرّب في منتصف الطريق.
- مقياس جهد العميل بعد كل معاملة، وليس استبيانًا سنويًا عامًا لا يرتبط بخطوة محددة.
- عدد نقاط الاتصال المتكررة: كم مرة اضطر المواطن للاتصال أو الحضور لإكمال معاملة كان يفترض أن تنتهي رقميًا من أول مرة.
- زمن الدورة الكاملة (cycle time) من نية المواطن الأولى حتى إغلاق الطلب فعليًا، لا من لحظة استلام الموظف للطلب فقط.
تجميع هذه المؤشرات وربطها بمرحلة نضج المؤسسة يمكن أن يبدأ من تقييم منهجي، مثل تقييم نضج تجربة العميل، الذي يكشف أين تقف الجهة الحكومية مقارنة بمعايير النضج المؤسسي قبل الشروع في أي مشروع إعادة تصميم واسع.
ماذا ينكسر فعليًا عند تطبيق هذا داخل مؤسسة حكومية؟
من واقع العمل مع جهات خدمية، ثلاث نقاط تتكرر كعقبات حقيقية لا يذكرها أي عرض تقديمي لامع:
- الأنظمة القديمة لا تتكلم مع بعضها بسهولة. ربط قاعدتي بيانات في وزارتين مختلفتين قد يستغرق أشهرًا من التفاوض التقني والقانوني، وهذا يعني أن مبدأ "المرة الواحدة" يبدأ عادة بخدمات محدودة، لا بإصلاح شامل فوري.
- الإدارات القانونية تفضّل الاحتفاظ بالاحتكاك "احتياطًا". حذف خطوة توقيع ورقي يتطلب غالبًا تعديلًا تشريعيًا لا مجرد قرار تصميمي، وهذا يفسر لماذا يستغرق تقليل الاحتكاك الحقيقي وقتًا أطول من مشروع واجهة رقمية عادي.
- الموظف الأمامي يتحمل عبء التغيير قبل أن يشعر المواطن بأي فرق. أي إعادة تصميم تتجاهل تدريب الموظفين وتهيئتهم عبر إدارة تغيير منهجية ستنهار عمليًا خلال أسابيع، بصرف النظر عن جودة التصميم الرقمي خلفها.
الدرس العملي هنا أن تقليل الاحتكاك مشروع مؤسسي متكامل، لا مشروع تقني منعزل. من يفصل بينهما ينتج تطبيقًا جميلًا يخفي خلفه العملية الورقية القديمة نفسها.
ما الذي يستحق أن يبقى في الذاكرة بعد كل هذا؟
الحكومات لا تُقاس بعدد الخدمات الرقمية التي أطلقتها، بل بعدد المرات التي لم تضطر فيها المواطن لإثبات الشيء نفسه مرتين. تقليل الاحتكاك ليس مشروع تجميل للواجهات؛ إنه إعادة توزيع للعبء بين المؤسسة والمواطن، بحيث تتحمل الدولة الجهد الذي تملك أدواته، بدل أن تلقيه على من لا يملك خيار الرفض. من يفهم هذا الفارق مبكرًا يبني ثقة تدوم أطول من أي حملة توعية، ومن يتجاهله يواصل بناء تطبيقات لامعة فوق عمليات لم تتغير منذ عقود.
لمن يريد أن يبدأ هذا العمل بشكل منهجي، تصميم الخدمة العامة يبقى نقطة الانطلاق الأدق قبل أي استثمار تقني، عبر مراجعة خدمات تصميم الخدمة المتخصصة في القطاع العام، أو بالتواصل المباشر عبر صفحة التواصل مع Renascence لبدء تقييم أولي لرحلة خدمة بعينها.
Further reading
Related reading
Writing on how human behavior shapes the experiences brands deliver — at the intersection of behavioral economics and customer experience.
Stay ahead of CX
Get the Journal in your inbox.
Insights, frameworks and event round-ups from the Renascence team. No spam, ever.



